في الزلازل والحروب والأوبئة والفقر والمجاعات والكوارث التي تحل بالإنسان، يطرح كل فرد منا سؤالا في غاية الأهمية، لماذا يحدث كل هذا ولماذا يصيب الأبرياء؟
قد تقفز بعض التفسيرات الدينية التقليدية من الإسلام والمسيحية للقول بأن ما يحدث بما كسبت أيدينا ونتيجة أفعالنا في هذه الحياة، لكن ماذا عن الأطفال الصغار؟ هؤلاء الذين يقتلون في الحروب ويصابون بالسرطان في مراحل مبكرة من حياتهم والمتخلى عنهم والمشردون؟ ما الذنب الذي اقترفوه في هذه الحياة؟
أسئلة معضلة الشر الصعبة
إذا كان الله قادرًا على إزالة الشر، فلماذا لم يفعل ذلك؟ كيف يمكن للشر أن يوجد في وجود إله عادل ورحيم؟ كيف يمكن للشر أن يكون جزءًا من خطة إله مثل خلق الكون؟ هل يمكن القول أن الشر هو نتيجة للعمل البشري فقط، أم أن هناك شر طبيعي أيضًا؟
إذا كان الشر نتيجة لحرية الإرادة البشرية، فهل يمكن للبشر أن يكونوا مسؤولين عن جميع أشكال الشر في العالم؟ هل يعني وجود الشر أن الله غير قادر على التدخل أو غير رحيم؟
هل يوجد تفسير روحي أو معنوي للشر والمحن في العالم؟ هل يمكن تفسير الشر على أنه اختبار للإيمان والصبر؟ كيف يمكن للأديان أن تبرر وجود الشر في العالم وتعلم الخير والعدالة في نفس الوقت؟ هل توجد حلول أخلاقية أو فلسفية لمعضلة الشر؟
إقرأ أيضا:بنيامين نتنياهو: لاعب الشطرنج الذي دمر الأغبياء المتهورينأمام تلك الأسئلة الصعبة يختار أصحاب التفسيرات الدينية إما الصمت والهروب أو القول بأن الله سيعوض الضحايا في الآخرة وسيدخلون الجنة بدون حساب، وهذا يدفعنا لطرح أسئلة أخرى، لماذا فضلهم الله علينا بالموت مبكرا والدخول إلى الجنة؟ لماذا أخرجهم من الإختبار (الحياة) مبكرا وأدخلهم الجنة؟ ألا تؤكد هذه المعاملة التفضيلية أن الإختبار الإلهي ليس عادلا؟
لا يزال موضوع معضلة الشر يثير جدلاً فلسفيًا ولاهوتيًا، ولا يوجد حلاً نهائيًا لهذه المعضلة، لكن واحدة من التفسيرات المهمة التي يجب أن تقرأ عنها هي تناسخ الأرواح.
ماذا يعني تناسخ الأرواح؟
كلمة التناسخ تعني حرفيًا “العودة مرة أخرى في الجسد”، وهو ينطوي على الاعتقاد بأن الروح تنتقل بعد الموت إلى جسد آخر، يُعتقد أن الإنسان يولد مرارًا وتكرارًا، حياة بعد حياة بعد حياة.
يُعتقد أن عملية التناسخ (الولادة الجديدة المستمرة) تستمر حتى تصل الروح إلى حالة من الكمال وتندمج مرة أخرى مع مصدرها، الذي يُعتقد أنه الله أو الروح العالمية، كما أن التناسخ يعتمد على قانون الكارما.
تأتي كلمة كارما من جذر يعني “الفعل أو التصرف”، وهي تنطوي على فكرة أن كل فعل يؤدي إلى نتيجة، إذا تراكم لدى المرء كارما جيدة، فمن المفترض أن يتجسد من جديد في حالة مرغوبة في الحياة التالية.
إقرأ أيضا:8 تطورات لأدوات الذكاء الإصطناعي في عام 2024إذا تراكمت لدى المرء كارما سيئة، فسوف يتجسد من جديد في حالة أقل رغبة في الحياة التالية، في نهاية المطاف، على مدى حياة عديدة، يُزعم أن الكارما يمكنها تخليص الشخص من جميع الرغبات الأنانية.
التناسخ متجذر في الهندوسية، تُعرف الدورة المستمرة للموت والبعث باسم سامسارا (الهجرة).
كيف يحدث تناسخ الأرواح؟
عند الموت، يموت هذا الجسد المادي وتظل الروح على قيد الحياة كجسد عقلي. كيان يسمى “الجسد الخفي” (lingua sharira)… هذا الجسد الخفي هو العنصر المستمر طوال عملية التناسخ حتى يحدث الخلاص، الروح، باعتبارها الجسد الخفي، تحمل كارما حياتها الماضية، كما ذكرنا سابقًا، فإن حالة الفرد في الحياة الحالية تتوقف تمامًا على الكارما التي تراكمت في الحياة السابقة.
عندما يموت شخص ما، يقوم ما يسمى بـ “جسده الرقيق” بإجراء “حسابات كارمية” ثم يلتصق بجنين في طور النمو، فإذا كان الإنسان فاضلاً، يدخل الجسد الرقيق في “رحمٍ لطيف” ويولد في طبقة اجتماعية ودينية أفضل، وإذا عاش الإنسان حياة فاسدة، يدخل الجسد الرقيق إلى “رحم قذر ومنتن” ويولد في طبقة دنيا.
سيتم تحقيق “الخلاص” في النهاية، يُنظر إلى كل شخص على أنه يسير على عجلة الحياة، والخلاص يتضمن في الأساس الإنفصال عن عجلة الحياة هذه من خلال التناسخ.
الهدف هو كسر دائرة الكارما والتحرر من عبء الحياة، ويأتي هذا الخلاص عندما يدرك المرء أن روحه الفردية (أتمان) مطابقة للروح العالمية (براهمان)، من خلال الوفيات والولادات التي لا نهاية لها على ما يبدو، يفهم المرء أخيرًا أن أتمان هو براهمان.
إقرأ أيضا:هزيمة روسيا بوتين في انتخابات فرنسا وبريطانيا وانتصار أوكرانياتناسخ الأرواح وحل معضلة الشر
يعتقد أنصار التناسخ أن وجهة نظرهم معقولة بشكل خاص لأنهم يعتقدون أنها تتعامل بشكل فعال مع مشكلة الشر، وقد عبّر أحد المدافعين عن الأمر بهذه الطريقة: “إن أقوى دعم للتقمص هو حله السعيد لمشكلة عدم المساواة الأخلاقية والظلم والشر التي تطغى على العالم”.
ويُعتقد أن التناسخ يقدم حلاً أكثر عقلانية، مقارنة بالديانات التي تؤكد أن هناك حياة واحدة على الأرض يليها يوم الحساب كالمسيحية مع الإسلام، رغم أن الكتاب المقدس والقرآن الكريم يحملان إشارات إلى وجود أكثر من حياة!
لذلك، على سبيل المثال، إذا عان طفل صغير من سرطان الدم ثم مات، فمن الواضح أنه يعاني من عواقب الكارما السيئة التي تراكمت في حياته السابقة ومن ثم، فإن معاناة الطفل عادلة ومستحقة تمامًا، وسوف تساهم في خير الطفل على المدى الطويل (على مدى العديد من الأرواح).
من جهة أخرى الشخص الذي يغتصب النساء والأطفال قد ينال عقوبته في هذه الحياة، وقد يأتي في الحياة القادمة ليلعب دور الضحية ويتعرض للإغتصاب كطفل أو امرأة.
هذا يعني أن كل ما يحدث لنا من شرور هو نتيجة الأفعال الإنسانية، لا يتدخل الله الذي وضع قانون الكارما، بحيث كل روح تنال جزاء أعمالها في الحيوات المختلفة إلى أن تصل إلى مراد الخالق.
ويمكن استخدام تناسخ الأرواح للقول أن الجنة والجحيم يعيشهما الإنسان هنا في الأرض، كل شخص يعاني حاليا هو في جحيم بالفعل وكل شخص في الثراء والسعادة فهو في نعيم، ويمكن للإنسان أن ينتقل بينهما في حياة واحدة!
إقرأ أيضا:
أفضل قرار اتخذته في حياتي هو أني لن أنجب
ما هي الأخلاق العلمانية وما مصدرها ومعايير تحديدها؟
قوة الإلحاد في الفلسفة البوذية والديانات الأسيوية
هل بوذا إله وهل يعبد البوذيين الأصنام؟
البوذية ليست ديانة ولا تتعارض مع الإسلام أو غيره