مع عودة سوريا الأسد إلى الجامعة العربية واعتراف أردوغان بفشله، من الواضح أن الأنظمة قد انتصرت على الشعوب التي حاولت أن تنسخ تجربة الثورة الفرنسية ونسيت قيم التنوير التي وضعها فلاسفة التنوير.
لم تكن لتنجح الثورات الأوروبية ضد الإستبداد وأنظمة الحكم المدعومة من الكنيسة لولا التنوير، الفلسفة التي جاءت بقيم لا تزال إلى يومنا جذابة، الديمقراطية والحرية والعلمانية ومساواة المواطنين أمام القانون بغض النظر عن أي شيء.
خرجت الشعوب العربية في مختلف الدول العربية خصوصا في سوريا والجزائر وليبيا وتونس ومصر والبحرين لتطالب بتحسين ظروف المعيشة والإنتقال إلى الديمقراطية ومكافحة الفساد المالي والمحسوبية والرشوة، لكن هل كانت هذه الشعوب تؤمن فعلا بما تدافع عنه؟
من المعلوم أن أفراد السلطة هم من الشعب، وأي شخص في عالمنا العربي يحصل على منصب كبير عادة ما يتصرف بتكبر مع الناس ويستغل نفوذه لتحقيق مصالحه ولو تطلب من ذلك ممارسة الظلم على الناس، هذا أمر شائع للغاية، وهو ما يؤكد أنها مشكلة تربوية وقيمية لدى المواطن العربي بغض النظر عن دينه وتدينه.
يمارس المواطن العربي الإستبداد في حياته، سواء مع زوجته وأبنائه، أو مع جيرانه ومن هم أقل منه، ويتدخل في شؤون وحياة أصدقائه وجيرانه، ويكفر المخالفين له فكريا وعقائديا ويوزع الجنة والنار على الناس كما كانت الكنيسة يوما ما توزع صكوك الغفران.
إقرأ أيضا:ما هي الأخلاق العلمانية وما مصدرها ومعايير تحديدها؟هذا كافر وهذا مؤمن وهذا فاسق وهذا صالح وهذا أنجب إذا فهو رجل وهذا يرفض الإنجاب إذن مشكوك في رجولته وربما كافر بالله.
هذه قصة الشعوب العربية التي تطالب بأشياء عجزت عن تحقيقها في ذاتها، والمواطن العربي للأسف مستبد ويريد الحرية والديمقراطية، كيف يجتمعان؟
عربيا تغرق منطقتنا في الفكر اليساري الذي يقدس عبد الناصر والقادة مثل صدام حسين، وكلهم أشخاص مستبدين، فكر في العالم العربي يرفض أي معارضة له، وهذا السائد أيضا في عدد من الدول الإشتراكية والشيوعية.
في المقابل هناك الفكر السياسي الإسلامي، وفصيل منه يدعي أنه يحترم الديمقراطية ويريد استغلالها للوصول إلى الحكم واحتكاره وتكفير أي معارض، وهناك فصيل آخر يريد الخلافة ولا يؤمن بالديمقراطية إذ أنها من القيم الغربية وممارسها مجرد زنديق يتشبه بالغرب.
لا يزال التيارين قويين على المستوى الشعبي، رغم ارتفاع أصوات العقلانيين والعلمانيين هذه الأيام، لا يزال تكفيرهم والهجوم عليهم سائدا وقويا للغاية.
كيف لشعوب عربية غارقة في التيارين المستبدين بالمنطقة أن تنجح في ثوراتها لأجل الديمقراطية والحرية؟ لا يمكن أن تنجح في الدفاع عن شيء لا تؤمن به.
والحقيقة أنه عندما نجحت الثورات في اسقاط بعض الأنظمة كان البديل هو الفوضى، وقد رأينا ذلك في ليبيا تحديدا، التي لا تزال على شفا الحرب الأهلية ومنطقة صراع دولي بالوكالة.
إقرأ أيضا:12 شهرا من الدعاء لأهل غزة ولا جواب من اللهلا يوجد مشروع حقيقي بديل تدافع عنه الشعوب العربية، تريد اسقاط أنظمة الحكم بدون أن يكون لديها بديل، وكل طرف يدعي أنه الأصلح، فإما أن يكون البديل وإما الفوضى وتقسيم السلطة.
نحن نعيش أيضا في منطقة لا تعرف فيها النخب السياسية القابعة في المعارضة ممارسة المعارضة البناءة، وهي تشوه في الحكومة حتى لو فعلت الحكومة شيئا مفيدا للشعب تشكك فيه وتعتبره فشلا ذريعا وكل هذا كي تصل إلى السلطة.
في الأنظمة الديمقراطية هناك صراعات سياسية بالفعل لكن كل ذلك في إطار المعقول، والمصلحة العليا للوطن فوق الجميع، المعارضة والحكومة تعملان لإيجاد حلول للمشاكل وليس لإلغاء الآخر، لكن ليس هذا هو الحال في الدول العربية، وأبسط مثال هي الكويت التي تعد فيها الديمقراطية آلية للفوضى في البرلمان.
إقرأ أيضا:اسقاط الأجسام الطائرة قد يقودنا إلى حرب ضد الكائنات الفضائيةفي سوريا لم تكن المعارضة موحدة، المسلحة والسلمية على خلاف، والتيارات المختلفة تقاتل فيما بينها، كما أن عدد منها تابع لقوى أجنبية، ولا يوجد لدى أي منها أي بديل حقيقي لنظام بشار الأسد.
إقرأ أيضا:
أهمية تقارب الإمارات مع سوريا واحتمال انقلاب بشار الأسد على ايران
شروط المغرب للموافقة على تطبيع العلاقات مع سوريا الأسد
دوافع التطبيع بين سوريا الأسد وتركيا أردوغان
رسائل السعودية من القمة العربية وموقفها من أوكرانيا وسوريا
عودة سوريا إلى الجامعة العربية لكن ليس بعد إلى الحضن العربي